ابن عربي

56

مجموعه رسائل ابن عربي

وداوم عليها تيقظت نفسه ، وتنبهت ، وانتعشت من خمولها ، وأحست بفضائلها ، وأنفت من رذائلها ، وذلك أن هذه إنما تضعف وتحفت إذا عدمت الفضائل والمناقب ، واستولت عليها الرذائل ، فإذا اقتنت الفضائل ، واكتسبت الآداب ، تيقظت من غشيتها ، وثارت من سكرتها ، وقويت بعد ضعفها . وفضائل هذه النفس هي : العلوم العقلية ، وخاصة ما دق منها ، فإذا أرتاض الإنسان بالعلوم العقلية شرفت نفسه ، وعظمت همته ، وقويت فكرته ، وتمكن من نفسه ، وتملك أخلاقه ، وقدر على إصلاحها ، وإنفاد له طبعه ، وسهل عليه تهذيبه ، وأذعنت له القوة الغضبية والشهوانية ، وهان عليه قمعها وتذليلها . فأول ما ينبغي أن يبتديء به من يحب سياسة أخلاقه : النظر في كتب الأخلاق ، والسياسة ، ثم الإرتباض بعلوم الحقائق ، فإن أشرف ما تكون النفس إذا أدركت حقائق الأمور ، وأشرفت على هيئات الموجودات . وإذا شرفت نفس الإنسان وعلت همته : ترقى إلى مراتب أهل الفضل . ومما يصلح النفس الناطقة ويقويها أيضا : مجالسة أهل العلم ، ومخالطتهم ، والاقتداء بأخلاقهم وعاداتهم ، وخاصة أصحاب علوم الحقائق ، والمتيقظين منهم ، المستعملين في جميع أمورهم ما تقتضيه علومهم ، وتوحيه عقولهم . فأما تمييز عادات النفس الناطقة ، واستعمال ما حسن منها واطراح ما قبح ، فذلك إنما يمكن ويسهل أيضا إذا راض نفسه الناطقة فإن النفس الناطقة إذا ارتاضت بالعلوم الحقيقية ، وتيقظت ، وشرفت : أنفت من العادات المستقبحة وتنزهت عن التدنس بها ، فيهون حينئذ على صاحبها تجنب ما يكره من عاداتها ، ويتغلب عليه استحسان